السيد محمد بيرم الخامس التونسي
49
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
ما شاء اللّه كان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ تمهيد ] الحمد للّه مالك الملك والممالك . خالق النور والظلمة والضلال والهدى إلى أقوم المسالك . سبحانه الخالق الحكيم . المبدع للكون وما فيه من حقير وعظيم . رسم عليه دلائل وحدانيته لتدبر المتبصرين . وَمِنْ آياتِهِ [ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ] وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ [ الروم : 22 ] والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على تاج العالم المصون . ومظهر الكمالات المسرى به إلى المسجد الأقصى والمقام المكنون . سيدنا ومولانا محمد رسول اللّه . المطهر عنصره الجثماني . والمنزه جوهره الروحاني . من الكدر والاشتباه . وعلى آله الطاهرين . وأصحابه الذين جابوا الأرض في هداية المخلوقين . أما بعد : فإن اللّه جلت عظمته اقتضت حكمته الباهرة . أن ربط في هاته الدار الأسباب بالمسببات خفية كانت أو ظاهرة . وأخفى مراده في التكوين . فكان مدار تكاليف الشرع هو اعتبار الأسباب رحمة بالمؤمنين . وتفويض ما وراء ذلك إلى خالق مسبب « 1 » يجري على مقتضى تقديره في الأزل وما يدرك أسرار حكمته إلا قليل من الكاملين . وكان مما عرض للعبد الحقير . أن بليت بمرض أعيا علاجه أطباء قطرنا الشهير . وأشير عليّ بالسفر لأجل ذلك الغرض . فاستخرت اللّه تعالى واستشرت الأصدقاء لتحصيل ذلك الحق المفترض . فجبت بحارا وقفارا . ومدنا وأمصارا على حسب ما يسره المقدور . وساعفت الوسائل على الوصول إلى مشاهدته من المعمور . ورأيت بعيني البصر والبصيرة . أمورا عجيبة خطيرة . أحببت نظمها في عجالة حفظا لها من الإهمال . وتطفلا على منح العلماء أولي الكمال . كل سرّ جاوز الاثنين شاع * كل علم ليس في القرطاس ضاع وهي وإن كانت بالنسبة لمعارف الكاملين والفحول . ليست مما يلتفت إليه أو يلاحظ
--> ( 1 ) في الأصل المسبب والصواب ما أثبتناه .